ابن المقفع

173

آثار ابن المقفع

بذات نفسك ومنحتك من نفسي مثل ذلك . وليس يمنعني من الخروج إليك سوء ظن بك ، ولكن قد عرفت أن لك أصحابا جوهرهم كجوهرك وليس رأيهم فيّ كرأيك . قال الغراب : إن من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا ولعدو صديقه عدوا ، وليس لي بصاحب ولا صديق من لا يكون لك محبا . وإنه يهون علي قطيعة « 1 » من كان كذلك من جوهري ، فإن زراع الريحان إذا رأى بينه عشبا يفسده قلعه ورمى به ، ثم إن الجرذ خرج إلى الغراب فتصافحا « 2 » وتصافيا وأنس كل واحد منهما بصاحبه حتى إذا مضت لهم أيام قال الغراب للجرذ . إن جحرك قريب من طريق الناس وأخاف ان يرميك بعض الصبيان بحجر ، ولي مكان في عزلة « 3 » ولي فيه صديق من السلاحف وهو مخصب من السمك ، ونحن واجدون هناك ما نأكل فأريد ان انطلق بك إلى هناك لنعيش آمنين . قال الجرذ وإني أيضا كاره لمكاني هذا ولي أخبار وقصص سأقصها عليك ، وإذا انتهينا حيث تريد فافعل ما تشاء . فأخذ الغراب بذنب الجرذ وطار به حتى بلغ حيث أراد . فلما دنا من العين التي فيها السلحفاة بصرت السلحفاة بغراب ومعه جرذ فذعرت منه ولم تعلم أنه صاحبها . فناداها فخرجت إليه وسألته من اين أقبلت فأخبرها بقصته حين تبع الحمام وما كان من أمره وأمر الجرذ حتى انتهى إليها . فلما سمعت السلحفاة شأن الجرذ عجبت من عقله ووفائه ورحبت به وقالت له ما ساقك إلى هذه الأرض ؟ قال الغراب للجرذ أقصص علي الاخبار التي قلت إنك تحدثني بها فأخبرني بها ، مع جواب ما سألت السلحفاة فإنها عندك بمنزلتي . فبدأ الجرذ وقال :

--> ( 1 ) قطيعة : مقاطعة ومعاداة . ( 2 ) تصافحا تعانقا . ( 3 ) عزلة : تنح وانفراد .